إفلاس شركة نهاية بلدة
- د. علي التواتي
- Jun 23, 2023
- 3 min read
نجاح أو فشل أي نشاط اقتصادي لشركة أو مؤسسة واحدة قد يكون المحفز الوحيد للاستقرار في بلدة أو في منطقة معينة أو الدافع الرئيس للرحيل عنها

الشركة هي شركة (أكمي) الأمريكية للحديد والصلب، والبلدة هي ريفرديل/إلينويز التي اعتبرت هبة لصناعة الحديد والصلب منذ إنشائها سنة 1950م. ورغم محاولات الشركة الجادة لإنقاذ نفسها وإنقاذ البلدة التي تساندها، ورغم استثمارها لأكثر من 400 مليون دولار لتحديث مرافقها الإنتاجية بين سني (1994م - 1996م)، ورغم تكاتف الجميع معها بمن فيهم عمال الشركة الذين قبل العديد منهم التسريح بهدوء في سبيل إنجاح جهودها على أمل تعزيز إمكانات انتعاش بلدتهم وإعادة توظيفهم مرة أخرى أو توظيف أبنائهم سواء في مرافق الشركة الحديثة او في مرافق الصناعات المساندة لنشاطاتها.
ورغم اكتمال بناء وتجهيز 90% من مرافق الشركة ومعداتها الحديثة، إلا أن جهود الجميع ذهبت أدراج الرياح بسبب الانهيار الكبير الذي شهده الطلب العالمي على الحديد بسبب الأزمة الاقتصادية التي ضربت اقتصاديات الدول الآسيوية القائمة على التصدير في النصف الأخير من العقد الأخير من القرن الماضي ما أدى إلى انخفاض أسعار صرف عملاتها في مواجهة الدولار الأمريكي، ولم تعد قادرة على استيراد مزيد من الحديد لضعف الطلب على صادراتها التي يدخل الحديد في صناعتها ، فانخفاض الطلب على الحديد في الأسواق العالمية تسبب بدوره في انهيار أسعاره إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، وأدى بالتالي الى اتجاه كميات كبيرة من فائض الحديد في العالم الى السوق الأمريكية، لترتفع الواردات الأمريكية منه من 28.3 مليون طن سنة 1997م الى حوالي 38 مليون طن سنة 1998م ولتستقر حول 34 مليون طن سنة 2000م بأسعار لم تتمكن أي شركة أمريكية من منافستها لعوامل عدة من أهمها سياسات الإغراق التي اتبعتها بعض الدول المصدرة للحديد على المستوى العالمي.
وأمام هذه التطورات، لم تتمكن شركة (أكمي) من استكمال العشرة في المائة الباقية من تجهيزاتها الإنتاجية الحديثة، ولم تتمكن من الحصول على أية حصة تسويقية لحديدها الذي تنتجه من مرافقها القائمة بسبب مزاحمة الحديد الأجنبي لها، لتجد نفسها أمام خيارات عديدة أحلاها مرّ ويتطلب إعلان الإفلاس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حقوق المساهمين. ولكن المحزن في الأمر هو أن الشركة لم تتجرع وحدها مرارة قرارها بإعلان الإفلاس بل شاركتها فيه البلدة التي تعيش على وجودها، فقد أغلقت معظم محلات التجزئة التي كانت تعمل على توفير متطلبات الشركة أبوابها وأعلنت إفلاسها، وفقدت البلدة معظم نقود الضرائب التي كانت تدخل خزينتها والتي كانت تقدر بمليون دولار من الضرائب المباشرة، وخسرت سبعين بالمائة من ضرائب ورسوم الخدمات العامة، كما فقدت تسعين بالمائة من ميزانية مدارس التعليم العام، وستين بالمائة من ميزانيات الحدائق العامة ومرافق الترفيه التي تمولها الشركة.

لقد مال حظ البلدة التعيسة عندما مال حظ شركتها التي تطعمها وتسقيها، لتتقلص قوة الشرطة والمطافئ فيها، ويرحل عنها نصف العاملين في متنزهاتها العمومية بحثاً عن الرزق في مواقع أخرى، وتلغى معظم برامج رعاية الشيب والشبان فيها برحيل معظم الناس عنها، ويتقلص عدد العاملين في مكتبتها العامة، وتعجز إدارتها عن توفير خدمات الاتصال بشبكة الإنترنت لمن تبقى من المواطنين فيها، وينخفض عدد الطلاب في مدارسها التي عجزت عن توفير تدريب مناسب لمن تبقى منهم على استخدامات الحاسب الآلي بسبب نقص الأجهزة بل تعجز إدارة المدينة حتى عن توفير برامج تعليمية غير فصلية لطلابها .
إن ما حدث لبلدة ريفرديل الأمريكية هو نفس ما حصل ويحصل يومياً لعشرات المدن والبلدات في طول العالم وعرضه خاصة في الدول النامية، وهو نفس ما حصل (مع الفارق) وسيحصل في المستقبل لدول الخليج المصدرة للنفط ولغيرها من الدول التي تعتمد على مصدر وحيد أو شبه وحيد للدخل ولا تضع الخطط العملية الواضحة لتنويع مصادر دخلها من نشاطات متعددة يساند بعضها بعضاً ويعوض بعضها خسارة بعض.
ولئن كانت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد حاولت بعد تردد ملحوظ تحركاً بدأ بتصريح للرئيس أعلن فيه عن اعتزام إدارته تكليف الجهة المختصة بالتحقق من عدم وجود ممارسات غير عادلة في السوق العالمية لتجارة الحديد تمهيداً لفرض رسوم على واردات الولايات المتحدة منه وذلك لمقاومة سياسات الإغراق التي تنتهجها بعض الدول في حال ثبوتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صناعة الحديد الأمريكية، إلا أن هذا التحرك كان متأخرا جدا فقد فقدت تلك الصناعة ثمان من شركاتها وما يزيد على 300 ألف من العاملين فيها.