الأسواق الزمنية في سراة عسير
- د. علي التواتي
- Jun 20, 2023
- 3 min read
حافظت أسواق السراة الزمنية على دورها الاجتماعي القديم في عقد الصلح بين المتخاصمين والخطبة لغرض الزواج وتوجيه الدعوات للمناسبات السعيدة والإعلان عن المفقودات

الأسواق الزمنية هي أسواق من نوع خاص تعمل بشكل دوري ولمدد محددة قد تكون عدة ساعات وقد تمتد إلى عدة أيام. والأسواق الزمنية معروفة عند العرب منذ أقدم العصور وأشهرها سوق عكاظ في الطائف التي كانت تعمل مرة في العام ولعدة أيام. ومنها سوق المربد وذي مجاز وغيرها كثير. ولهذه الأسواق وظائف أخرى غير التبادل التجاري فهي مسارح للتبادل الثقافي والاجتماعي ومسرح للنشاط الرياضي. كما أن لها وظيفة سياسية هامة تتمثل في عقد الصلح بين القبائل وإيقاف الحروب وودي القتلى ونزع فتائل المنازعات قبل تفاقمها.
ومن قدر له أن يعيش في المنطقة الجنوبية من المملكة فترة كافية، يلاحظ كثرة وجود مثل هذه الأسواق التي تتوزع أوقاتها على كافة أيام الأسبوع إلى درجة أن كثيراً من المواقع والقرى أخذت أسماءها من أسواقها فتجد سبت العلايا وأحد رفيدة وأحد المسارحة وخميس مشيط وغيرها. وكثير من هذه الأسواق تعقد في مناطق جبلية وعرة يصعب الوصول إليها وبعضها يعقد في مناطق تهامة الساحلية. وتتناثر أسواق تهامة على طريق التجارة الدولية القديمة التي كانت تربط اليمن والحبشة والهند بالحجاز ومنه إلى الشام فأوربا. تلك الطريق التي كانت تطرقها قوافل قريش قبل الإسلام بقليل وذلك بسبب الصراعات الدموية التي اندلعت بين الدولة الساسانية في فارس والدولة البيزنطية في آسيا الصغرى والتي أسهمت في قطع طريق المواصلات الدولية عبر الخليج وإيران وتركيا.

وعلى آية حال يبدو أن أسواق تهامة الزمنية أوجدت كحلقة وصل للتبادل التجاري بين قوافل التجارة الدولية التي كانت تجوبها باتجاه الشمال صيفا وباتجاه الجنوب شتاء. وكانت هذه الأسواق زمنية بسبب عدم توفر الطلب الكافي في تهامة خاصة في فصل الصيف حيث يقل عدد سكان السراة الذين يهبطون إلى تهامة بسبب اشتداد الحرارة في تهامة، ويتجه أبناء عمومتهم من سكان تهامة إلى الجبال للاستمتاع بالأجواء الجبلية المعتدلة. أما في فصل الشتاء فان هجرة عكسية تحدث من السراة إلى تهامة بسبب الطقس البديع المعتدل الذي تتمتع به تهامة في هذا الفصل من السنة.
وقد فطن التجار الباحثون عن فرص جديدة للربح لهذه الهجرة الموسمية وانتقال القوة الشرائية بين تهامة والسراة صيفا وشتاء فانتهزوها بأن كانوا يشترون من البضائع الشمالية التي كانت تحملها القوافل باتجاه الجنوب ومن البضائع الجنوبية التي كانت تحملها نفس القوافل في طريق عودتها للشمال في أواخر الشتاء ويبيعونها سلعا وبضائع محلية من أهمها الأسلحة التي كانت تشتهر المنطقة بإنتاجها، ليقوموا بعد رحيل القوافل بتنشيط حركة تجارية محلية كبيرة.

واليوم يلاحظ أن معظم أسواق تهامة التاريخية اندثر كنتيجة طبيعة لتغير توزيع المراكز التجارية، فمعظم البضائع التي تصل للمنطقة الجنوبية لا تمر عبر طريق تهامة الدولي التاريخي إنما تأتى عبر الطرق البحرية والجوية والبرية لموانئ رئيسية أهمها ميناء جدة الإسلامي لتشحن مباشرة للتجار في المنطقة تهاميين كانوا أو سراة. والتجار في المنطقة اليوم يتعاملون مع زبائنهم من خلال أسواق ثابتة حديثة تعمل بمفهوم السوق الحديثة المتعارف عليها ولا تقل باختياراتها السلعية والخدمية عن أية اسواق أخرى في العالم، وذلك بفضل القفزات التنموية التي شهدتها البلاد في النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحالي.
وبعكس أسواق تهامة التي تكاد تندثر، تمكنت اسواق السراة الزمنية من الحفاظ على وجودها ولازالت تعمل في أيامها المتعارف عليها منذ القدم. ولعل السبب في ذلك يعود الى أن تلك الأسواق لم تنشأ أساساً على طريق تجارة دولية إنما تم إنشاؤها في مناطق جبلية مختلفة بغرض إشباع حاجات استهلاكية لازال هذا النوع من الأسواق يشبعها حتى يومنا هذا، خاصة أن هذه الأسواق أصبحت شبه متخصصة في عرض الصناعات اليدوية المحلية من آنية طعام وأدوات وملابس خاصة تعتبر لدى الآخرين تراثاً بينما هي ضروريات بالنسبة للسكان المحليين لأن معظمهم، وحتى الأثرياء منهم مازالوا يستخدمونها. كما أن كثيراً من الصفقات التجارية تعقد في هذه الأسواق.

ولقد حافظت هذه الأسواق على دورها الاجتماعي القديم في عقد الصلح بين المتخاصمين والخطبة لغرض الزواج وتوجيه الدعوات للمناسبات السعيدة والإعلان عن المفقودات.

أما المطلوب اليوم فهو الحفاظ على بقاء هذه الأسواق التي استطاعت الصمود والعمل لعشرات السنيين رغم زحف الأسواق الحديثة الثابتة بمفهومها المتعارف عليه إلى كل قرية وتجمع سكاني سواء على راس جبل أو في قاع وادي. والتطوير المطلوب يمكن أن يأخذ صوراً عديدة منها تجهيز مواقع هذه الأسواق. بمساحات واسعة ومرصوفة ومزودة بالمظلات ومصارف المياه ومرافق الطعام ووسائل الاتصالات والراحة أو تشييد مباني على طراز معماري مطابق للطراز الذي بنيت عليه معظم مباني القرى أو التجمعات السكانية التي تخدمها. ويمكن أن تزود بمعامل خاصة بإنتاج المواد التي يتخصص في إنتاجها السكان المحليون أصحاب السوق. ويجب التنبه منذ البداية لضرورة أن يتمكن المستفيدون الحاليون من هذه الأسواق من الاستفادة من الأسواق المطورة وأن تكون مقتصرة على المواطنين وتجنب الاعتماد على العمالة الوافدة لأن الغرض الأساسي من التطوير هو مصلحة السكان المحليين وفتح آفاق جديدة أمامهم لزيادة دخولهم من عوائد صناعاتهم المحلية ومتاجرتهم فيها.
وباعتماد النواحي الجمالية في تصميم هذه الأسواق وإضافة بعض العروض الفنية والثقافية المحلية وتقديم وجبات الطعام المحلية التي تطهى أمام الرواد بوسائل وطرق نظيفة وصحية يمكن أن تصبح هذه الأسواق وسيلة جذب سياحي هامة لسياح من داخل المملكة ومن دول أخرى عديدة.