top of page
Search

المدينة التي اهتزت مرتين



في مسألة توطين مؤسسات الأعمال، يجب النظر الى سلة الأعمال كاملة بكل محتوياتها الاقتصادية والثقافية والبيئية والاجتماعية والأمنية والسياسية. فالحوافز الاقتصادية وحدها لم تشفع لمدينة سياتل بالاستمرار وطناً أصلياً للإدارة العليا لشركة بوينج رغم تقديم المدينة كل ما يمكن أن يقدم من حوافز اقتصادية للشركة واستعدادها لتقديم المزيد حسب تعبير رئيس الغرفة التجارية لمدينة سياتل الكبرى الذي قال مشدوهاً من وقع المفاجأة (لو كانت شركة بوينج تريد شيئاً، ما كان عليها سوى الاتصال بحاكم الولاية أو عمدة المدينة، وكلكم تعلمون أنها كانت ستحصل على ما تريد).


التلازم التاريخي بين بوينج وسياتل


لم تفق مدينة سياتل كبرى مدن ولاية واشنطن الأمريكية من آثار الزلزال المدمر الذي ضربها يوم الثامن والعشرين من فبراير 2001 والذي اعتبر أعنف زلزال يهزها منذ 52 عاما، حتى اهتزت بزلزال آخر أشد عنفا وأعمق تأثيرا من زلازل الطبيعة تمثل في إعلان (فيل كونديت) المدير التنفيذي والمسؤول الأول في شركة بوينج التي تتخذ من المدينة مقرا لها منذ 85 عاما، يوم الأربعاء 21 مارس 2001، عن اعتزام الشركة العملاقة نقل إدارتها العليا إلى مدينة أخرى في وسط الولايات المتحدة الأمريكية مع الإبقاء على صناعة الطائرات التجارية فقط في سياتل.


وقد عزا السيد كونديت هذا القرار إلى رغبة إدارته في البحث عن مدينة في موقع متوسط من البلاد لتتمكن من خلاله من السيطرة على أعمالها التي كانت تنتشر حينها في 26 ولاية شريطة أن تتوفر في المدينة المختارة (بيئة ودودة) تجاه مؤسسات الأعمال الكبرى لتساعدها في تخفيض تكاليفها الإنتاجية وفي تعزيز موقعها التنافسي على المستوى العالمي.



ورغم عدم إعلان بوينج عن أية خطط عاجلة بشأن إعادة توطين مصانعها القائمة في سياتل والتي كانت توظف وقت الإعلان أكثر من 76,400 عامل ما وضعها في مرتبة الموظف الأول في ولاية واشنطن، ورغم إعلانها عن الاستمرار في صناعة الطائرات التجارية في سياتل، إلا أن قرارها المفاجئ بنقل إدارتها العليا من المدينة والولاية كان بمثابة الصدمة للجميع على كافة المستويات ذاك أن الإدارة العليا لشركة بوينج كانت بمثابة الروح بالنسبة لسياتل ونقلها من المدينة كان بمثابة خروج الروح من الجسد خاصة أن سياتل كمدينة عرفت بالشركة أكثر مما عرفت الشركة بها وتكفي الإشارة إلى أن أعز شعار تتباهى فيه سياتل على المدن الأخرى هو أنها (مدينة الطائرات).


وللتدليل على مدى الارتباط بين المدينة والشركة تذكر صحيفة الاندبندنت بواقعة طريفة عندما ضرب الكساد صناعة الطائرات في السبعينيات من القرن الماضي واضطرت شركة بوينج حينها إلى إلغاء برنامجها لتطوير الطائرة التجارية الأسرع من الصوت والاستغناء عن آلاف العاملين في البرنامج، حينها علق أحدهم لوحة على أحد مباني مطار سياتل تقول (الرجاء من آخر شخص يغادر سياتل ألا ينسى إطفاء الأنوار).


ورغم كل التطمينات الكلامية التي صدرت عن كبار المسؤولين في بوينج في عدة مناسبات إلا أن كافة الوقائع كانت تشير الى أن إعادة التوطين لكثير من أعمال الشركة في مدن ومناطق أخرى غير سياتل سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها هو هدف استراتيجي تلتزم به منذ أمد بعيد وتسعى لتحقيقه على مراحل وفق خطة استراتيجية مدروسة بعناية. فالشركة التي بلغ عدد أسهمها حتى مارس 2001 (834,4) مليون سهم وبلغت قيمتها السوقية حينها (44,2) مليار دولار، تعمل هي وفروعها على ثلاث جبهات إحداها صناعات الطيران التجاري، والثانية صناعات الطيران العسكري بما فيها الصواريخ، أما الجبهة الثالثة فهي صناعات الفضاء والاتصالات.



ويعتبر اعلان الشركة عن إبقاء صناعة الطيران التجاري فقط في سياتل بمثابة عدم التزام بتوطين باقي الصناعات العسكرية والفضائية في المدينة، بل ان توطين صناعة الطيران التجاري ذاتها في سياتل موضوع فيه نظر خاصة في ضوء إعلان الشركة مؤخراً عن اتخاذها قرارا بإعادة توطين صناعة جسم الطائرة fuselage(757) ونقله من مجمعها الصناعي في رنتون/ سياتل إلى مجمعها الصناعي في وشيطا/ كانساس مع ظهور بعض المؤشرات على التفكير الجدي في نقل معظم اعمال تلك الطائرة إلى مجمع أفيريت في وشيطا أو إلى إيطاليا في نطاق اتفاق تعاون مع شركة اليينا الإيطالية المتخصصة في الصناعات الفضائية. وحتى اليابان حصلت على نصيب من أعمال شركة بوينج حيث أسندت لعدة شركات صناعية يابانية أعمال انتاج اجنحة طائرات البوينج السوبر جمبو 747X.


ولكن رغم ان اقتصاد سياتل أصبح أكثر تنوعا بتوطن عدة شركات كبيرة مثل (مايكروسوفت) و (أمازون دوت كوم) و (ستاربوكس) و (كافي لاتيس) وغيرها من الصناعات التكنولوجية المتطورة والشركات المساندة إلا أنه يخشى من التأثير النفسي بسريان عدوى الانتقال إلى هذه الشركات. والأسوأ من ذلك أن يتضح أن معظم تلك الشركات لم تكن لتتوطن في سياتل أساساً لولا توطن شركة بوينج فيها.


ولقد دارت تكهنات في الأيام التي تلت اعلان الشركة عن خططها المستقبلية بالانتقال والتطورات التي تلت ذلك للتعرف على الدوافع الحقيقية التي تقف خلف اتخاذها ذلك القرار الذي بدا أن لا رجعة فيه ودار معظمها حول وجهة الانتقال والمستقر الجديد بعد إعلان الشركة انها ستفاضل بين ثلاث مدن هي (شيكاغو/ الينويز) و (دنفر/ كولورادو) و (دالاس ـ فورت وورث/ تكساس).

فقد ربط المراقبون في واشنطن بين توقيت الإعلان عن خطط الانتقال إلى إحدى هذه المدن ومنها فورت وورث/تكساس وبين محاولة الشركة الحصول على عقد فيدرالي تصل قيمته إلى حوالي (ثلث تريليون دولار) وعلى وجه التحديد (320) مليار دولار لإنتاج المقاتلة الضاربة المشتركة Joint Strike Fighter JSF لحساب وزارة الدفاع الأمريكية باعتبار تكساس الولاية التي ينتمي اليها الرئيس بوش حينها إضافة إلى زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ ورؤساء عدة لجان مالية وعسكرية مؤثرة في اتخاذ قرار إرساء عقد المقاتلة.


ورغم قوة هذه الإشاعة إلا أنها دحضت بقوة في وقت لاحق حينما وقع الاختيار على مدينة (شيكاغو/ الينويز) باعتبارها عقدة اتصالات جوية هائلة تربط بين الولايات بيسر وسهولة أكثر من أي موقع آخر. فالشركة الكبيرة لم تتخذ قرارها بمغادرة سياتل بين عشية وضحاها، ولكن القرار كان نتاجا لدراسات أجرتها الشركة مدة خمس سنوات لإعادة الهيكلة شملت كل شيء بما في ذلك مقر الإدارة العليا ومواطن المصانع والمعامل وخطوط الإنتاج، ولا يمكن لشركة بحجم بوينج أن تربط مصيرها بمصير أشخاص متنفذين في بلاد لا تتوارث فيها المناصب وتتغير الوجوه بشكل مستمر.


الرحيل .. الرحيل


ولعل شكوى الشركة المستمرة لعدة سنوات من سوء الجوار، وفشل حكومة الولاية والسلطات المحلية في توفير البيئة المناسبة لاستمرار بقاء الإدارة العليا للشركة في الولاية واستمرار بقاء دوافع الرحيل هو ما عجل في الإقدام عليه. فمن هذه الدوافع ارتفاع تعرفة الكهرباء في سياتل، وتعويضات البطالة المبالغ فيها، وتصاعد قوة نقابة عمال الشركة والإضرابات المتكررة التي تقودها، ما أدى إلى انخفاض مبيعات الشركة بمقدار 12%، وهو ما تسبب بدوره في انخفاض دخل الشركة بمقدار 8% لسنة 2000 المالية.


ومن المسببات أيضاً تردي النظام التعليمي في ولاية واشنطن بصفة عامة وعدم قدرته على مواكبة التطورات والمعارف التكنولوجية التي ترغب الشركة في توفرها في خريجي ذلك النظام لتدوير عجلتها الإنتاجية.


ومنها اهتراء البنية التحتية للمدينة بفعل الزلازل والعوامل الطبيعية وازدحام الطرق السريعة وعدم قدرتها على تحمل حركة النقل المتزايدة عليها.



وفوق كل ذلك تردي الحالة الأمنية في سياتل إلى أدنى درجات التردي حيث أصبحت مأوى للعصابات الاجرامية التي أصبحت تفتك بالممتلكات والناس دون رادع أو وازع. وليس أدل على ذلك من تسلط أفراد العصابات الإجرامية على الناس بالقتل والنهب في رابعة النهار خاصة في المناسبات التي تكثر فيها التجمعات كالمظاهرات والاحتفالات الحاشدة ابتداء بما حصل سنة 1999 أثناء المظاهرات المناوئة للعولمة بمناسبة انعقاد المؤتمر الفاشل لمنظمة التجارة العالمية وانتهاء بما حدث خلال أسبوع احتفالات (ماردي جراس) في فبراير 2001 والذي انتهى قبل وقوع الزلزال بيوم واحد حيث اعتدى أفراد عصابة فاق تعدادها المائة على حشود المحتفلين في الشوارع والميادين العامة بالضرب والسلب والاغتصاب وحتى القتل حيث قتل شخص ممن قاوموهم بزجاجة مكسورة غرست في ظهره وسلبت منه محفظة نقوده وهو يتخبط في دمائه، وجرح ما لا يقل عن سبعين شخصاً وسلب الآلاف ونهبت الممتلكات. والمحزن في الأمر هو أن كافة الأحداث سجلت على كاميرات الفيديو والتلفزيون في نقل حي بشع لا يمكن أن يحصل للمواطنين الأبرياء في أشد دول العالم تخلفاً إلا في حالات الانفلات الأمني المتفاقم.


تجارب سابقة


وبعيدا عن الدوافع والمسببات غير المباشرة التي تنظر فيها القيادة العليا لأية مؤسسة أعمال كبيرة للنأي بنفسها عن مواقع الإنتاج الفعلي لمنتجاتها، يميل الأكاديميون للبحث في نماذج من هذا النوع لمؤسسات اعمال سبقت بوينج في تنفيذها ويشيرون في هذا الخصوص لنموذج شركة (جنرال اليكتريك) الناجح التي نأت بإدارتها العليا عن مواقع انتاجها فتمكنت من التعامل مع وحدات الإنتاج في مختلف المواقع كمؤسسات مستقلة تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في إدارة عملياتها الإنتاجية ما اسهم في توفير مزيد من الحرية لكوادر الإدارة العليا للاستثمار في مجالات جديدة، وتوفير مزيد من الوقت لتوسيع دائرة اهتماماتها والتفرغ لرسم سياسات التوسع الاستثماري على المستوى العالمي بعيدا عن الاستغراق في دوامة أعباء الأعمال الروتينية اليومية التي تستنفد الجهود وتضيع المسار. وفوق كل ذلك توفير إمكانية اتخاذ القرارات الصعبة مثل اغلاق الوحدات غير المنتجة وتسريح العمالة الزائدة دون التعرض لتبعات المواجهات المباشرة الحادة مع اتحادات العمال وجماعات الضغط المتمركزة عادة في مواقع الإنتاج.


وفي مقابل نموذج شركة جنرال الكتريك الناجح يشير البعض إلى عدة نماذج أخرى فاشلة منها نموذج شركة زيروكس التي فقدت قدرتها التنافسية في انتاج الأجهزة المكتبية كنتيجة لانتقال إدارتها العليا من مواقع إنتاجها في روشستر/ نيويورك إلى ستامفورد/ كوناتيكا وذلك بسبب فقد الاتصال بخطوط انتاجها وتمددها الاستثماري غير المثمر باتجاه أعمال التأمين، ولذلك لا يمكن الحكم على تجربة انتقال الإدارة العليا لشركة بوينج إلا بعد تنفيذها في ضوء المستجدات المستقبلية.


حوافز التوطين


ولنلق بمزيد من الضوء على جانب هام من جوانب اتخاذ قرار انتقال أي إدارة عليا لأية مؤسسات اعمال وهو ما يقدمه المقر المنشود من محفزات ومزايا تشجيعية منافسة. فقبل الإعلان عن اختيار شيكاغو مقرا جديدا للإدارة العليا لبوينج إلى شيكاغو وبمجرد اعلان الشركة عن خطط انتقال ادارتها العليا وأنها في طور المفاضلة بين ثلاث مدن هي (شيكاغو/الينوي) و (دالاس ـ فورت ورث/ تكساس) و (دنفر/ كولورادو) انبرت قيادات سياسية وفعاليات أهلية كثيرة في تلك المدن لتشكيل الوفود ولجان العمل لقيادة عملية المفاوضات لإقناع إدارة الشركة بجدوى التوطن فيها في الوقت الذي لجأت فيه كل مدينة من المدن المرشحة الى تنظيم الحملات الإعلامية لتعداد مزايا انتقال أي مؤسسة أعمال اليها وإبراز تنوع وجاذبية محتويات سلة الحوافز الاقتصادية التشجيعية للمؤسسات التي تعيد التوطن فيها سواء من ناحية الاعفاءات الضريبية، أو تحسين وضع البنى الأساسية، أو توفير العمالة المدربة الجاهزة للانخراط في العمليات الانتاجية.



ومن أمثلة هذه الحوافز بالنسبة لشيكاغو إضافة لعقدة المواصلات الجوية الهائلة التي تميزها عن غيرها من المدن، هناك الحسومات الضريبية، ومساعدات استكمال تجهيزات البنية الأساسية، ومصاريف تدريب العمالة التي وصلت الى 150 مليون دولار وتحملتها المدينة في سبيل توطين عدد من الوحدات الانتاجية التابعة لثلاث شركات كبرى هي شركة فورد وشركة سولو كوب وشركة الطيران ترانس أمريكان.


ومن أمثلتها بالنسبة لمدينة دالاس ما قدمته من مساعدات نقدية وصلت الى مليون وخمسة وعشرين ألف دولار لشركة مؤتمر الرياضات الاثنتي عشرة الكبيرة لنقل إدارتها اليها من موقعها السابق في مدينة كنساس.


ومن أمثلتها بالنسبة لمدينة دنفر ما اعتمدته من حسومات ضريبية ومصاريف تدريب وصلت الى أربعة ملايين دولار لصالح شركة صن مايكرو سيستمز لتفتح فرعاً فيها.


أما بالنسبة لمدينة شيكاغو فقد أعلنت ترحيبها بشركة بوينج واستعدادها المبدئي ليس فقط لتقديم حسومات واعفاءات ضريبية تصل الى كامل قيمة ضريبة الدخل التي تجبى في العادة من مؤسسات الأعمال بل وتقديم خمسمائة ألف دولار للشركة على شكل منحة يستفاد منها في بناء مقر جديد أو تجديد مقر قائم.


ووقفت على الطرف المقابل مدينة دالاس التي لا تحتاج لتقديم مثل تلك الحوافز لأنها لا تفرض أصلاً أية ضرائب دخل لا على مؤسسات الأعمال ولا على الأفراد بل أنها فوق كل ذلك تقدم العديد من المنح والهدايا لإعادة توطين شركات الأعمال وتوفر بيئة ودودة ومساندة لنمط الحياة الذي ينشده كبار المسؤولين والمتنفذين في مؤسسات الأعمال بل أن إدارة المدينة تبذل كل ما في وسعها لتسهيل ظروف حياتهم الخاصة وإضفاء صبغة شخصية على الحوافز الاقتصادية التي تقدم لهم في بعض الأحيان مثل إعادة ما مقداره ألفي دولار من ضرائب المشتريات التي يدفعها المسؤول كضيافة له لتشجيعه على تجهيز منزله وشراء حاجياته من السوق المحلية.


وقد نجحت سلة الحوافز المختلطة التي تقدمها مدينة دالاس منذ سنة 1989م في استقطاب مائة وستين شركة ومؤسسة اعمال واقناعها بجدوى هجر مواطنها الأصلية والتوطن في المدينة. وبين شيكاغو ودالاس تقف دنفر بمطارها الحديث نسبياً وبيئة أعمالها التي حظيت بالمرتبة الأولى كأفضل بيئة اعمال في الولايات المتحدة حسب تقييم إحدى المجموعات المتخصصة في تقييم السياسات العامة إضافة الى تنوع ومهارة قاعدتها العمالية.

ويجب ألا نتجاوز في هذا السياق موقف مدينة بتسبرج/ بنسلفانيا التي حاولت الانضمام لقائمة المدن المرشحة لاستضافة بوينج، والتي تستحق إدارتها أن ترفع لها القبعات احتراماً لمبادرتها، فرغم عدم ورود اسمها ضمن المدن المرشحة لاستقبال إدارة بوينج إلا أنها شكلت فريقاً حكومياً وأهلياً خاصاً لفتح حوار مع الشركة لإقناع ادارتها بجدوى الانتقال اليها وذلك بإبراز مزايا توطن مؤسسات العمال فيها. ورغم عدم نجاح المسؤولون في بتسبرج في مسعاهم بإضافة مدينتهم الى القائمة، إلا أن مجرد المحاولة حدث يستحق الإشادة وسيؤصل انطباعاً جيداً عن المدينة وادارتها يمكن توظيفه في المستقبل في استقبال مؤسسات أعمال كبرى بحجم بوينج أو تفوقها حجماً.

والتساؤل الآن هو هل تنجح الحوافز الاقتصادية التي تقدمها المدن في توطين مؤسسات الأعمال الكبيرة أو اقناعها بإعادة التوطن؟ يجيب خبراء التنمية الاقتصادية على ذلك بأنها تنجح في كثير من الأحيان كما كان الحال بالنسبة لمدينة دالاس ولكنها لا تنجح دائماً حتى بالنسبة لنفس المدينة لأن الحوافز الاقتصادية هي فن يعتمد على عوامل كثيرة أكثر منها كعلم له أصول وقواعد ثابتة وهناك عدة حالات رفضت فيها مؤسسات أعمال كبرى الانتقال أو التوطن في أي من المدن الثلاث المرشحة لاستضافة بوينج لعدم رضاها عن عنصر أو آخر من عناصر التوطن الاقتصادية أو غير الاقتصادية.


لذلك يجب النظر الى سلة الأعمال كاملة بكل محتوياتها الاقتصادية والثقافية والبيئية والاجتماعية والأمنية والسياسية. فالحوافز الاقتصادية وحدها لم تشفع لمدينة سياتل بالاستمرار وطناً أصلياً للإدارة العليا لشركة بوينج رغم تقديم المدينة كل ما يمكن أن يقدم من حوافز اقتصادية للشركة واستعدادها لتقديم المزيد حسب تعبير رئيس الغرفة التجارية لمدينة سياتل الكبرى الذي قال مشدوهاً من وقع المفاجأة (لو كانت شركة بوينج تريد شيئاً، ما كان عليها سوى الاتصال بحاكم الولاية أو عمدة المدينة، وكلكم تعلمون أنها كانت ستحصل على ما تريد). إن ما تبحث عنه شركة بوينج ولم تطلبه لعلمها بأنه لا يتوفر في سياتل ولا في ولايتها واشنطن فهو أكبر من مجرد الحصول على حوافز اقتصادية إنما كان في البحث عن بيئة اعمال صحية تتمتع بسلة أعمال كاملة وهذا ما عبر عنه فيل كونديت رئيس شركة بوينج ومديرها التنفيذي بعبارات موجزة في معرض تعداده لمواصفات المدينة التي يمكن أن يقع عليها الاختيار حيث قال (إن الشركة تبحث عن مدينة تتميز بالتنوع الثقافي، وتتوفر فيها إمكانيات التفاعل مع الأسواق العالمية، وتتمتع ببيئة مساندة لمؤسسات الأعمال الكبيرة ويسهل التوطن فيها إمكانيات الوصول الى مواقع عمل الشركة وزبائنها).


لذلك يجب البحث في سلة الأعمال الكاملة التي توفرها كل مدينة من المدن المرشحة لاستضافة إدارة الشركة وأغلب الظن أن الشركة قد حزمت أمرها واختارت المدينة المنشودة منذ أمد بعيد وما اعلانها عن الاختيار بين مدن ثلاث سوى وسيلة للضغط من ناحية للحصول على العقد الأسطوري للمقاتلة الضاربة المشتركة باستقطاب الفعاليات السياسية للمجمعات الأمريكية الرئيسية التي تتوطن في المدن المرشحة وفي الولايات التي تنتمي اليها وللحصول على أفضل الشروط والمزايا والتسهيلات من المدينة المختارة في ضوء استشعار خطر فوز إحدى المدن المرشحة الأخرى بصفقة توطين إدارة الشركة.


الولاء للموطن الأول والخسائر البشرية


وبعد التنفيذ الفعلي لمشروع نقل إدارة شركة بوينج وأعمالها المساندة إلى شيكاغو طفت على السطح مسالتان هامتان أولاهما مسألة الولاء تجاه الأوطان التي تحتضن مؤسسات الأعمال حتى يشتد عودها لتتعملق حتى تضيق بها أوطانها، أما المسألة الثانية فتتمثل في حجم الخسائر في القوة البشرية المدربة على أعمال مؤسسة اعمال بعينها عند تسريحهم ومسؤولية المؤسسات والهيئات الاجتماعية الحكومية والخاصة تجاههم. ويبدو ان المسألة الأولى أصبحت محسومة في عصر عولمة التجارة والانتاج. فالولاء أولاً واخيراً لحملة اسهم الشركة وهذا ما أعلنه مدير شركة بوينج فيل كونديت بكل صرامة ووضوح عندما أعلن امام مؤتمر المستثمرين في الشركة وعلى طريقة مدير شركة جنرال اليكتريك الذي يترسم خطاه أن ولاء الشركة ليس لفئة اجتماعية ولا لمنطقة ولكنه لحملة أسهمها، وانه على استعداد لاتخاذ أي قرار يصب في مصلحتهم ويزيد من أرباحهم.


ولذلك لم يتأثر كونديت كثيراً ولم يترقرق الدمع في عينيه عند سماع نبرات الحزن والأسى تتدفق في كلمات أحد قادة الاتحادات العمالية وهو يقول (إن مؤسس الشركة بيل بوينج يتململ الآن في قبره) ولعل لسان حال كونديت يقول (دعه يتململ في قبره كما يشاء).


وتبقى المسألة الثانية أو مسألة المصير الذي يؤول اليه العمال المسرحون بسبب حركة إعادة التوطين أهم المسائل على الإطلاق في هذا العصر الذي يشهد تحولا رئيساً باتجاه سيادة المنتج وتضاؤل دور اتحادات العمال حيث أصبح العمال أول الضحايا في كل عملية إعادة توطن أو إعادة هيكلة أو إجراءات تقشف أو إغلاق لخطوط الإنتاج وخلافه.


ورغم ان شركة بوينج تحاول التقليل من أثر انتقال إدارتها العليا على اقتصاد سياتل أو على العمالة وحصره في حدود ألف خمسمائة شخص سينتقلون مع الإدارة الى مقرها الجديد وخمسمائة اخرين سيعاد توظيف من يمكن إعادة توظيفه منهم في الشواغر المتوفرة في خطوط انتاج الشركة حسب تناسبها مع تخصصاتهم ليبقى النذر اليسير الذي سيسرح ويوضع على قوائم انتظار اعادة التوظيف في مكاتب العمل.


هل يصدق احد ان الخسائر في القوة البشرية تقف عند هذا الحد؟ ماذا عن المؤسسات المساندة الصغيرة والأفراد الذين كانوا يعيشون على هامش خدمات أعمال وخدمات التنظيف والنقل والخدمات البريدية وتجهيز الوجبات الغذائية لحساب إدارة شركة بوينج هل من الأجدى لهم الانتقال لتنظف مكاتب مدراء الشركة في مستقرها الجديد وإعداد السندوتشات لهم أم أنهم سيضطرون للتوقف وتسريح ما لديهم من عمالة فقيرة غير مدربة؟


مثل هذه التساؤلات لا تحتاج الى إجابة لأن إجابتها واضحة. وبصرف النظر عن العمالة التي توظفها هذه المؤسسات المساندة ماذا عن عمال شركة بوينج ذاتها؟ حتى وإن صدقت شركة بوينج في وعودها تجاه المسرحين من موظفيها وعمالها هي بإعادة توظيف معظم المستغنى عنهم بسبب انتقال إدارتها العليا تبقى مشكلة خمس وعشرين ألفاً من عمال الشركة المسرحين من عمال وحداتها الإنتاجية خلال السنتين الأخيرتين قائمة لا حل لها ولعل استمرارها كان من أهم الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تغذية مشاعر العداء للشركة في مجتمع سياتل وفي تصويت الولاية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح الديمقراطيين الذين عرفوا بمساندة الأقليات.


من كل هذا نخلص الى بعض الدروس التي يمكن أن تفيد المخططين الحكوميين ومحافظي وأمناء المدن والمناطق ورجال الأعمال والغرف التجارية في التخطيط لاستقطاب مؤسسات الأعمال وتوطينها فيها.


وأول هذه الدروس هو تضاؤل قيمة اقتصاديات التجميع Economies of Agglomerations التي كانت إحدى أهم سمات المجمعات الصناعية في القرن الماضي حيث لم يعد من الضروري الآن إنتاج كافة أجزاء المنتج الصناعي في مكان واحد لأن العالم كله أصبح قرية صغيرة ومرابط خيل لمؤسسات الأعمال الكبيرة.


الدرس الثاني هو أن المحفزات الاقتصادية لم تعد كافية لتوطين مؤسسات الأعمال وحلت محلها سلة أعمال كاملة تدخل في تركيبها كافة المتغيرات الاقتصادية وغير الاقتصادية الأخرى وفي مقدمتها الأمنية على وجه الخصوص.


أما الدرس الثالث فيتمثل في إمكانية فك الارتباط المكاني بين الإدارات العليا لمؤسسات الأعمال الكبيرة ووحداتها الانتاجية.


والدرس الرابع يتمثل في تطور مشكلة تسريح العمال بأعداد كبيرة وتحولها الى ظاهرة عالمية في حالات انتقال مؤسسات الأعمال واندماجها وتقشفها واعادة هيكلتها واغلاق خطوط انتاجها وضرورة ايجاد صيغة معادلة تضمن التوازن بين حقوق العمال وحقوق مؤسسات الأعمال.


أما الدرس الخامس والأخير فهو امتداد وتعميم لمفهوم الدرس الرابع ويتمثل في ضرورة عدم التعويل كثيراً على المشاعر الوطنية والإقليمية في توطين مؤسسات الأعمال واستبدال ذلك بإعادة النظر في العلاقات التي تربط بين مؤسسات الأعمال والمؤسسات الاجتماعية الأخرى للتوصل الى معادلة منافع متبادلة ترضي مختلف الأطراف وتحدد حقوق وواجبات الجميع تجاه بعضهم البعض وتجاه البيئة المحيطة لتجنيب الجميع مخاطر استثارة المشاعر في محاولة تخلص كل طرف عند تضارب المصالح من تبعات المسؤولية الأخلاقية وما يصاحبها من استدرار للعواطف وتوترات وتبادل للاتهامات.


 
 

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page