top of page
Search

بنك الخليج المركزي

هذه من مقالاتي القديمة التي لا تتقادم، نشرت في عكاظ يوم الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٠٩


تعتبر الرياض أفضل عاصمة عربية (على الإطلاق) لبنك مركزي تتراكم فيه أموال وموجودات الدول الأعضاء. حيث تتوفر فرص كافية لنقل وإخلاء الأموال إلى أي اتجاه قبل أن تتمكن أي قوات معادية من الوصول إلى موقع البنك في حالات الحروب المفتوحة والاجتياح



كشف محافظ البنك المركزي بدولة الإمارات العربية المتحدة سلطان بن ناصر السويدي الجمعة عن الأسباب التي دفعت الإمارات إلى الانسحاب من مشروع الوحدة النقدية الخليجية، قائلا: إن اختيار العاصمة السعودية الرياض مقرا للمصرف المركزي الخليجي، لم يكن (السبب الوحيد) وراء قرار الانسحاب.


وأكد المسؤول الإمارتي أن قرار اختيار مقر المصرف المركزي الخليجي «كان سياسيا، ولم يأخذ في الحسبان الميزات التنافسية لدولة الإمارات ولقطاعها المصرفي»، مشيرا إلى وجود عدد أكبر من البنوك تعمل على أراضيها، وتتوفر على أكبر حجم من الموجودات، وأكبر حجم لودائع العملاء في المنطقة، فضلا عن حركة التحويلات العالمية التي يمثل نصيب الإمارات منها 50 في المائة على مستوى الخليج.


وبصرف النظر عن جدوى العملة الخليجية الموحدة من عدمه، وطالما أن مشروع الوحدة النقدية قد تم إقراره من قادة دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء عمان، لم يتبق أمامنا سوى العمل على إنجاح هذه الخطوة المباركة التي قد تتحول إلى نواة لوحدة نقدية عربية إذا ما تعامل القائمون على تنفيذها بانفتاح وسعة أفق مع كافة الدول العربية التي قد ترغب في الانضمام إليها في المستقبل ــ إن شاء الله.



وبالطبع فإن اختيار الرياض بلدا لمقر البنك المركزي الخليجي ومن بعده للبنك المركزي العربي هو قرار لم يأت من فراغ، كما أنه لم يكن (سياسيا) حسب وصف محافظ البنك المركزي بدولة الإمارات الشقيقة، ولكنه أتى أولا لعوامل استراتيجية (أمنية واقتصادية). فبنظرة بسيطة للخريطة (الجيوسياسية) في المنطقة يمكن أن نتبين بسهولة أن الرياض عاصمة مثالية لتوطين أي بنك مركزي أو حتى خزانة للأموال، بسبب موقعها الصحراوي البعيد عن الحدود، ومناطق التماس المباشرة، وبؤر التوتر المتناثرة في المنطقة، بما فيها منطقة الخليج التي توجد بها بعض البؤر المشتعلة المتمثلة في الاحتكاكات اليومية المستمرة بين البحرية الإيرانية والأساطيل الغربية التي تجوب مياه الخليج على مدار الساعة، إضافة إلى بؤر التوتر الكامنة التي من أهمها إصرار إيران على احتلال الجزر العربية الثلاث في الخليج ورفضها لبدء مفاوضات تنتهي بانسحاب قواتها من الجزر المحتلة، إضافة إلى ما تلجأ إليه تلك الجارة المتجاسرة من حين لآخر من إرسال للتهديد والوعيد باحتلال المزيد أو إذكاء نار الحرب مع دول خليجية أخرى.


ولهذا تعتبر الرياض أفضل عاصمة عربية (على الإطلاق) لبنك مركزي تتراكم فيه أموال وموجودات الدول الأعضاء. حيث تتوفر فرص كافية لنقل وإخلاء الأموال إلى أي اتجاه قبل أن تتمكن أي قوات معادية من الوصول إلى موقع البنك في حالات الحروب المفتوحة والاجتياح. ولعله من نافلة القول أن أذكر الجميع بالاجتياح العراقي للكويت وما تسبب فيه من أضرار جسيمة نتيجة للاجتياح السريع الذي استهدف أول ما استهدف البنك المركزي فنهب أمواله وموجوداته قبل أن يتمكن أحد من إيقافه بسبب قرب المسافة والمفاجأة بالهجوم.




ورغم أن العوامل الاستراتيجية الأمنية تكفي لاختيار الرياض كعاصمة لبنك الخليج المركزي، إلا أن هناك عوامل أخرى اقتصادية أهمها أن حجم الناتج الاسمي الوطني لدول الخليج مجتمعة والذي وصل إلى 814 مليار دولار عام 2007م والذي يقل عن الناتج الوطني لدولة كوريا الجنوبية ويزيد قليلا عن الناتج الوطني لهولندا لم يكن يمثل أكثر (0,5في المائة) من الناتج العالمي البالغ (55) تريليون دولار. وورغم ضآلة تلك الإضافة الاقتصادية من دول الخليج في ذلك الوقت لاقتصاد العالم، الا ان الاقتصاد السعودي كان يشكل أكثر من (47في المائة) منها، وأكثر من ربع الاقتصاد العربي، وتديره مؤسسة النقد العربي السعودي التي تعمل وفق تقاليد راسخة من التوازن والتحفظ في تطبيق السياسات النقدية، التي أسهمت على مدى أجيال في وصول المملكة إلى ما وصلت إليه بصفتها الدولة الخليجية الوحيدة التي تحقق مستويات معتدلة من النمو، مع مستويات تحت السيطرة من التضخم. ولا تنكشف المملكة بسهولة في أوقات الأزمات المالية العالمية كما هو الحال هذه الأيام.



وأستغرب بالتالي أن يلجأ السويدي للحديث عن حجم التحويلات العالمية وتواجد عدد كبير من البنوك الأجنبية كمبرر كاف من وجهة نظره لمنح بلاده ميزة تنافسية في توطين البنك مع تجاهل واضح للمعايير الاقتصادية الأساسية الكمية والنوعية، مثل معايير النمو كحجم ومعدلات نمو الناتج الوطني، ومستويات التضخم، ومعايير التنمية ذات العلاقة بالتركيبة السكانية ونوعيتها ومعدلات نموها.


فدول الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، عندما اتفقت على إصدار العملة الموحدة (اليورو) اختارت مقر البنك المركزي على معيار الاقتصاد الأكبر حجما وعلى نمط البنك المركزي في ذلك الاقتصاد، ولذلك اختيرت ألمانيا كدولة للمقر، واختير تنظيم البنك المركزي الألماني (البوندزبانك) كنمط لتنظيم البنك المركزي الأوروبي. أما من يرأس البنك الأوروبي والخبرات التي تديره فليست بالضرورة من الألمان، ولكن من الكفاءات المتوفرة في كافة دول الاتحاد وربما العالم أجمع.

ووفقا لمعيار الحجم هذا، يمكن أن نقول بلا تحيز أو عواطف وطنية جياشة أن (الرياض) هي العاصمة الخليجية الوحيدة المؤهلة لاستضافة (بنك الخليج المركزي) بصفتها عاصمة الدولة الأكبر اقتصاديا وجغرافيا وبشريا، وأيضا الأكثر أمنا من الناحيةالاستراتيجية.


ولذلك أرى أن التركيز يجب أن ينصب حاليا على مزايا إصدار عملة خليجية موحدة مثل إمكانية الاستفادة منها كفرصة سانحة لدول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار بالتخلص من هذا الربط والاستعاضة عنه بسلة من العملات الصعبة، وإمكانية الاستفادة منها في توحيد المفاهيم والتعريفات الاقتصادية، إضافة إلى التعود على إقامة مشروعات كبيرة يتم من خلالها تبادل المنافع والتضحيات المتبادلة في سبيل مصلحة المجموع، وأخيرا تقديم نموذج إقليمي ناجح لوحدة نقدية تشجع كافة الدول العربية للانضمام إليها لتنتهي إلى وحدة نقدية شاملة وعملة تغطية قوية تستند على قوة اقتصاد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

 
 

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page