top of page
Search

جيرة السوء[1]

Updated: Jun 30, 2023



كانت نتائج بحث علماء جامعة كورنيل التي نشرت في مجلة الطبيعة Nature يوم (20 مايو 1999م) بمثابة جرس الإنذار بأن النتائج السلبية أو الإيجابية التي تترتب على التعديلات الوراثية على أي نوع من الكائنات الحية أو النباتات قد تتخطى الأبعاد المرسومة لها أو التأثيرات المنشودة منها أساساً إلى أبعاد خارجة عن نطاق السيطرة أو الإرادة



أجمعت هيئة المحلفين في إحدى محاكم ولاية ألاباما الأمريكية على إدانة شركة مونسانتو Monsanto عملاق الصناعات الكيماوية وصناعات التكنولوجيا الحيوية في قضية تلوث بمادة (عديد كلورو ثنائي الفينيل) التي تختصر بـالأحرف PCB والتي كانت تستخدم كمادة عازلة ومبرِّدة تساعد على حماية المعدات الكهربائية من الانفجار وذلك على مدى أجيال منذ البدء في إنتاجها سنة 1935م قبل أن تحرم الحكومة الفدرالية استخدامها اعتباراً من سنة 1979م.


وكان عدد من مواطني بلدة أنيستون/ألاباما قد وجهوا للشركة ست تهم هي الإهمال، وتعمد الأذى، وإخفاء الحقائق، والإزعاج، والتجاوز، والتعدي وذلك بسبب ضخها آلاف الأطنان من تلك المادة السامة على مدى أربعين عاماً في محيط بلدتهم، مما تسبب في تلويث مياهها وأراضيها وسكانها، حتى تخطت مستويات تلوث دماؤهم بتلك المادة متوسط التلوث على المستوى الوطني بسبع وعشرين مرة، يضاف إلى ذلك تزايد معدلات إصابتهم بالسرطان رغم أن تعدادهم لا يزيد على أربعة وعشرين ألفاً.


ولم يكتشف السكان المحليون مدى خطورة التلوث الذي تعانيه بلدتهم إلا سنة 1996م رغم توقف الشركة عن إنتاج تلك المادة في بلدتهم منذ أمد بعيد، ومما زادهم غبناً هو معرفتهم أن الشركة كانت تعلم بخطورة الموقف منذ سنة 1966م عندما لاحظ مد راؤها أن الأسماك التي تعيش في خليج يضخون فيه نفايات تلك المادة تنفق وتطفو فوق الماء بعد عشر ثوان من ضخها وقد نزفت منها الدماء وتفسخت جلودها وكأنما هي تعرضت للغمس في ماء يغلي.


ولكن بدلاً من أن تتخذ الشركة إجراءات حاسمة في التعامل مع المشكلة عند اكتشافها تكتمت عليها وحظرت تداول الوثائق التي تحتوي معلومات عنها وختمتها بعبارة (سري للغاية: يتلف بعد القراءة)، وبعد أن تأكدت الشركة أن الحكومة الفدرالية تدرس موضوع حظر استخدام تلك المادة سارعت هي إلى إيقاف استخدامها قبل صدور القرار بثمان سنوات ولجأت إلى فصل الأقسام الكيماوية عن جسم الشركة الأم بتشكيل شركة أخرى تحت مسمى جديد هو (سالوتيا) وذلك تحوطاً لما يمكن أن تسفر عنه الأيام من افتضاح أمر تلويث الشركة الأم لمياه وأراضي البلدة المنكوبة. ورغم ذلك حدث ما توقعته الشركة لتدان هي والشركة البديلة وشركة أخرى تملكها اسمها (فارمسيا) بما جنت أيديهم من جرائم منظمة ومتعمدة في حق البيئة التي تحتضنهم وفي حق الناس الذين يعملون لتعظيم أرباحهم.



والحقيقة أن جانب التصنيع الكيميائي هو جانب واحد مظلم من أعمال شركة مونسانتو التي اشتهرت بها عالمياً وهناك جانبان آخران أكثر إظلاماً أحدهما بيئي أيضاً والآخر اقتصادي ويتمثل الجانب البيئي في ريادة الشركة العالمية في مجال تطوير المحاصيل الزراعية باستخدام أساليب الهندسة الجينية Genetic Engineering وذلك بالتدخل في تركيبها الجيني الوراثي وتوجيهها لإنتاج بروتينيات تقضي على أنواع من الآفات الزراعية المعروفة أو تغيير صفات المنتج المتعارف عليها سواء من حيث النوع أو الحجم أو المذاق أو مدة الصلاحية.. وقد كان العلماء منقسمين بشأن الأغذية التي تنتجها الشركة وغيرها من الشركات المنافسة من محاصيل ومنتجات مهجنة حتى ظهرت أول إشارة علمية لا يختلف عليها اثنان على مدى خطورتها عندما لاحظ العلماء تناقص أعداد (الفراشات الملكية) التي تعود من هجرتها الربيعية إلى المكسيك من مهاجرها في حزام الذرة في المنطقة المحصورة بين الشمال الأمريكي والجنوب الكندي ليتبين فيما بعد لفريق من العلماء من جامعة (كورنيل) الشهيرة في مجال التقنيات الزراعية أن السبب في ذلك هو تغذي يرقات تلك الفراشات على عشبة الحليب البرية التي تتكاثر في حقول الذرة، ورغم سمية تلك العشبة للأحياء الأخرى إلا أنها هي الغذاء الطبيعي لتلك اليرقات وكان من المفترض ألا تكون سبباً في موتها لتستمر الأبحاث ويثبت أن السبب الحقيقي في موت اليرقات هو تلوث عشبة الحليب بغبار الطلع أو اللقاح المتطاير عليها بفعل الرياح من شجيرات الذرة المجاورة، وبفحص تلك الذرة وجد أنها ليست ذرة عادية بل ذرة مهجنة لتحمل جينة من بكتيريا تعرف اختصاراً بالحرفين bt وتعرف الذرة التي تحملها باسم ذرة البي تي، وخاصية تلك البكتيريا القضاء على دودة القطن الأوربية في حال محاولتها التغذي على أي جزء من أجزاء شجيرة الذرة التي تحملها دون أن تسبب، حسب المفترض، أي ضرر على صحة الإنسان أو الأحياء الأخرى المحيطة



ولذلك كانت نتائج بحث علماء جامعة كورنيل التي نشرت في مجلة الطبيعة Nature يوم (20 مايو 1999م) بمثابة جرس الإنذار بأن النتائج السلبية أو الإيجابية التي تترتب على التعديلات الوراثية على أي نوع من الكائنات الحية أو النباتات قد تتخطى الأبعاد المرسومة لها أو التأثيرات المنشودة منها أساساً إلى أبعاد خارجة عن نطاق السيطرة أو الإرادة، وبمجرد نشر نتائج الدراسة وضعت أعمال شركة مونسانتو التي تنتج هذا النوع من الذرة تحت المجهر وتبين أنها تمددت في عملياتها بهدوء إلى أوربا الغربية وأستراليا والهند وغيرها من الدول النامية وأن لها حقولاً ومزارع تجريبية على كافة أنواع المحاصيل ذات القيمة في مختلف أنحاء العالم وأنها في سبيلها لجعل إنتاجها القاعدة لا الاستثناء في الإنتاج الزراعي، إن تم السكوت عنها، مما حدا بالعديد من أنصار البيئة والمحافظين وبعض الحكومات الغربية، التي لا تتوفر لدى شركاتها القاعدة العلمية لمنافسة الشركة الأمريكية، إلى شن حملة مضادة بدأت بإطلاق اسم أطعمة فرانكنشتاين على الأطعمة المعدلة باستخدام أساليب الهندسة الجينية على سبيل التذكير برواية الخيال العلمي التي حاول فيها ذلك العالم تركيب إنسان من أجزاء مختلفة فكانت النتيجة التي جنتها يداه وحشاً قام بقتل العالم نفسه، وتصاعدت الحملة إلى درجة شن هجمات تخريبية على حقول تجارب وإنتاج مزروعات الشركة، وما زالت المحاكم في بعض الدول الأوربية تنظر دعاوى اعتداء ودعاوى مضادة بين الشركة ومناوئيها ولا يعلم غير الله إلام ستنتهي الأمور..

[1]بعد نشر هذا المقال تم إنشاء هيئة الغذاء والدواء السعودية

 
 

يسرني ان تكتب انطباعك او رأيك فيما وجدت في موقعي

Thanks for submitting

بإمكان اي زائر ان يستفيد مما يجد في موقعي هذا بالشكل الذي يراه مناسباً، ولا اطلب منه سوى ان يذكرني ضمن مصادره، وان لم يفعل فأنا اسامحه..

bottom of page