روتردام أو طائر الفينيق المنبعث من تحت الرماد
- د. علي التواتي
- Jun 23, 2023
- 5 min read
روتردام فعلا تشبه طائر الفينيق الاسطوري غير أنها حقيقة واقعة بعيدة عن عالم الأساطير، فهي فكلما احترقت انبعثت فتية متجددة من تحت الرماد لتجعل من نفسها أنموذجاً أزليا في التجدد، وتعطي البشرية دروساً في قوة الإرادة والتسامي فوق المصائب والنكبات بتوجيه الأنظار دوما نحو مستقبل مشرق ما يلبث أن يصبح حقيقة واقعة بدلاً من اليأس والبكاء على الأطلال

من المؤكد أن ديسيديريوس ايراسماس (Desiderius Erasmus 1469-1536) ابن قرية روتردام/ هولندا الصغيرة المحدودة الموارد في زمانه، والذي تحمل إحدى جامعاتها اليوم اسمه وفاء له، لم يكن يتوقع ان تتزايد أهمية قريته التي لم يحلم أكثر أهلها تفاؤلا عبر تاريخها الطويل ان تصل الى ما وصلت اليه من أهمية اقتصادية بالغة ليس على المستوى الأوربي فحسب ولكن على مستوى العالم. فقد عاش ذلك المفكر الاجتماعي والأستاذ الجامعي الشهير معظم حياته متنقلا بين الجامعات والمعاهد الأوربية فوق صهوة جواده الذي وصفه بانه (أحكم من في أوربا) لكثرة الجامعات التي دخلها معه في رحلته المتواصلة التي لم يذق فيها للاستقرار طعما.
وقد مضى وقت طويل على القرية التي ظهرت الى الوجود نتيجة لتجمع صيادي الأسماك على أرض صغيرة جفت بعد إقامة سد على نهر روتي Rotte الصغير أحد فروع دلتا الراين التي تجري باتجاه الجنوب لتصب في نهر ماس الكبير الذي يصب في بحر الشمال، وذلك قبل أن تحصل على الحق في إعلانها مدينة سنة 1299 من قبل كونت هولندا جان الأول بجهود من احد النبلاء المقربين, ولكن ذلك لم يكن ليكفي لتحتل القرية مكانتها التي تحتلها حاليا بل على العكس من ذلك تعرضت عدة مرات للحرق والنهب من عصابات القراصنة ومن الحروب الأهلية والإقليمية المتتابعة.
وكان عليها الانتظار طويلا حتى القرن السابع عشر عند اكتشاف الطريق البحري الى جزر الهند الشرقية (اندونيسيا) وتنامي قوة الأساطيل البحرية الهولندية لتوسع ميناءها المتصل ببحر الشمال على نهر ماس ولتصعد تجاريا قبل نهاية القرن قبل أن يكتسحها نابليون ضمن باقي البلاد سنة 1795 ويجثم على صدرها عشرين سنة قبل سقوطه سنة 1815 لتتمكن بعد اكثر من نصف قرن من رحيله من شق قناة عرفت باسم الممر المائي الجديد Nieuwe Waterweg ربطتها ببحر الشمال ومكنت السفن الكبيرة من الوصول الى مينائها لتفريغ حمولاتها في سفن وناقلات أصغر حجما تبحر عبر الراين باتجاه فرنسا مرورا بألمانيا وبلجيكا. وتزامن مع مشروع القناة مشروع اخر تمثل في ربط روتردام بجنوب هولندا بخط سكة حديد مرتبط بدوره بالشبكة الأوربية. وكانت تلك بداية لنهضة جديدة للمدينة وتحول مينائها إلى واحد من أكبر وأهم موانئ العالم وتحول روتردام بالتالي إلى واحدة من أكبر المجمعات التجارية والصناعية الأوربية.


ولكن الفرحة لم تكتمل بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية التي حولت المدينة إلى كتلة من الدمار بفعل القصف النازي لها ولغيرها من المدن الهولندية قبل سقوط البلاد تحت وطأة الاحتلال النازي ليزداد الدمار بقصف قوات الحلفاء لها خلال عملية تحريرها من ذلك الاحتلال البغيض. فلم يتبق في وسط المدينة من شدة الدمار واتساع دائرته سوى ثلاثة مبان أمكن ترميمها فيما بعد، أما البقية الباقية فقد أصبحت أثرا بعد عين ووصل حال المدينة حداً محزنا عبر عنه النحات الروسي أوسيب زادكاين بتمثال نحته ونصبه في أحد مبانيها المهدمة وأسماه مدينة بلا قلب The Razed City للتعبير عن عظم ماسي الحروب.

واليوم تظهر مدينة روتردام الحديثة الى الوجود ربما للمرة العاشرة مثل طائر الفينيق الذي تقول الأسطورة أنه يحترق وينبعث فتيا متجددا من تحت الرماد بعد احتراقه. فقد أعيد بناؤها بعد العرب وساعدها على سرعة العودة موقع مينائها الحديث المميز الذي عرف بمسمى ميناء أوربا Euro -port على بحر الشمال الذي بدأ فيه انتاج النفط في أواسط السبعينيات من القرن الماضي وتركزت فيه وحوله الاستثمارات الأوربية القارية في مجالات التنقيب والإنتاج والتصنيع ليصبح أكثر البحار ازدحاما في العالم.

وبلغت حركة الشحن والتفريغ في الميناء الذي يعمل على مدار 24 ساعة 441,5 مليون طن متري في العام بحلول سنة 2012. ويحتوي على مجمع صناعي يمتد على مسافة 42 كلم2 وهو الميناء الوحيد في شمال غرب أوربا الذي يمكنه استقبال السفن العملاقة ذات الغواطس الأكثر عمقا. وبالمقارنة فقد بلغ اجمالي حركة الشحن والتفريغ في ميناء جدة الإسلامي خلال عام 2013 حوالي 61 مليون طن علما بأن هذا الرقم يمثل أكثر من 65% من حجم حركة الشحن والفريغ في كافة الموانئ التي تديرها المؤسسة العامة للموانئ في المملكة العربية السعودية. ولقد كان ميناء روتردام الأكبر في العالم من حيث كميات الشحن والتفريغ قبل ان تقذف به خمس موانئ صينية وميناء سنغافورة للمرتبة السادسة من حيث الكميات المتداولة. ولكن يتوقع له أن يعود للصدارة من جديد بعد اعتماد مشروع توسعة وتحديث رئيسي سنة 2008 افتتحت مرحلته الأولى سنة 2013 ويتوقع أن تتضاعف باستكماله طاقة الميناء للتعامل مع ضعف عدد (الحاويات Containers) الحالي التي وضعت الميناء في المرتبة الحادية عشرة بعد موانئ صينية وسنغافورية إضافة لميناء جبل علي في دبي.
ولقد أسهمت مجموعة شركات (شل) الهولندية/ البريطانية التي يمتلك الهولنديون 60% من أصولها في تدعيم مكانة روتردام التاريخية كبوابة شمالية لغرب أوربا. فمنذ أن بدأ الجزء الهولندي من الشركة المتخصص بأعمال التنقيب عن النفط وانتاجه في سومطرة/ اندونيسيا أيام الاستعمار الهولندي وقبل اندماجه مع الجزء البريطاني المختص بنقل زيت الوقود من بحر قزوين على أوربا في شركة واحدة سنة 1903 تحت مسمى (شركة البترول الآسيوي) والمجموعة تتخذ من روتردام قاعدة رئيسية لأعمالها وتحتفظ في هولندا بأكبر مصفاة للنفط في أوربا.
وتمارس مجموعة شل العملاقة الأم اعمالها حاليا من خلال مجموعتين من الشركات احداهما تتخصص بإنتاج النفط ومشتقاته وتحتفظ بأصول رأسمالية تتعدى قيمتها أربعة وثلاثين مليارا تدر عليها ربحا سنويا يصل إلى حوالي خمسة مليارات من الدولارات، أما المجموعة الثانية من الشركات فتتخصص في النقل والتجارة وتحتفظ بأصول رأسمالية تتعدى قيمتها أربعة عشر مليار دولار تدر عليها أكثر من ملياري دولار في العام. وتحتفظ مجموعة شل إضافة إلى استثماراتها الأوربية باستثمارات كبيرة تغطي معظم دول العالم بما فيها المملكة.
ورغم أن هولندا لا تمتلك أي حقل من حقول النفط التسعين في بحر الشمال لأن كل الحقول تقع ضمن ممتلكات بريطانيا والنرويج، إلا أن استثماراتها من خلال مجموعة شل النفطية الهائلة في انتاج النفط من ذلك البحر وفي صناعات المشتقات النفطية والكيماوية وفي خدمات النقل والتخزين، أسهمت في تحويل ميناء روتردام إلى بوابة تجارية حقيقية لأوربا وفي تحويل المدينة وميناءها إلى مركز ثقل صناعي وتجاري دولي مكنها من احتلال دور محوري في التجارة العالمية مع أوربا خاصة بعد تدفق نفط بحر الشمال إليها والنفط المستورد من بلاد أخرى لتتشكل فيها سوق فورية للنفط Spot Market لا يقتصر تأثيرها على أسعار المبيعات النفطية العالمية في المدى القصير فحسب بل ينعكس أيضاً على مستقبل وحاضر تجارة النفط. وذلك رغم أن تجارة النفط الفورية لا تشكل سوى (10%) فقط من اجمالي الكميات المتداولة في السوق العالمية. فالتسعين بالمئة الباقية تباع وفق عقود آجلة أو حاضرة مباشرة. فقد أصبح السعر الفوري لمزيج حقل برنت الذي يجمع من 40 بئرا بمثابة الثرمومتر الذي يحرك مؤشر أسعار النفط باتجاه الصعود او الهبوط، وتتحدد بموجبه أسعار عقود النفط الآجلة او المستقبلية بحيث يقال على سبيل المثال أن سعر النفط في العقود الآجلة عند التسليم أو عند توقيع أو تجديد العقود المستقبلية يكون سعر برنت الفوري في يوم التجديد أو سعرا يزيد أو ينقص عنه بدولار أو دولارين. ولهذا تضغط الشركات الكبرى والدول المستوردة للنفط باتجاه إغراق السوق بالنفط في الفترات التي تتوقع فيها حلول اجال تعاقدات كبيرة لتحجب حقيقة الطلب وتجبر الأسعار على الانخفاض لتحصل على الكميات المطلوبة من النفط بأبخس الأثمان.
وهكذا يمكن رؤية أن التنمية على مستوى كانت، قد لا تتطلب مواردا هائلة بل إرادة وعزيمة وتخطيطا سليما بالاستفادة من الإمكانات المتاحة محليا، وبالتكامل مع الجوار المزدهر بتقديم خدمات يحتاجونها بحيث تصبح المدينة محل التنمية وبالتالي الدولة التي تقع فيها جزءا لا يتجزأ من التنمية الإقليمية والقارية. وهذا ما مكن روتردام ومن خلفها هولندا من الانبعاث والتجدد رغم الكبوات والأزمات والتدمير رغم انه لم يتبق من وسط مدينة كبيرة مثل روتردام بعد الحرب سوى 3 مبان فقط لتشهد على وحشية الأعداء وعلى عظمة من ينهضون.