كزّ وأخواتها
- د. علي التواتي
- Jun 24, 2023
- 4 min read
فيما بدا وكأنه نموذج لنوعية وحدود التنمية الاقتصادية المستهدفة في الشرق الأوسط الجديد بحسب التصور الأمريكي الإسرائيلي المشترك، تقوم اتفاقات كزّ التي فرضتها الولايات المتحدة في نطاق التطبيع الإجباري مع إسرائيل على عدد من الدول العربية منها مصر والأردن على تجميع العمالة الرخيصة في مشاغل لا تختلف كثيراً عن مشاغل تشغيل (العبيد) التي كانت سائدة في جنوب الولايات المتحدة منذ قرن ونصف تقريباً، ولا عن تلك التي تديرها الشركات الإسرائيلية في الأرض المحتلّة حالياً استناداً على رخص اليد العاملة الفلسطينية تحت الإحتلال، ولا تلك التي تديرها كبريات الشركات المتعددة الجنسية في مناطق الكثافة السكانية ذات الدخول المنخفضة حول العالم

استقبلت مصر العام 2005 بمعاناة من نوع جديد تمثلت في تفعيل اتفاقيتي تجارة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبموجب الاتفاقية الأولى تعفي الولايات المتحدة وارداتها من المنتجات الصناعية المصرية من الرسوم مقابل مشاركة إسرائيل في مدخلات الصناعات التي تنشئها الاتفاقية رغم وجود اتفاقية تجارة واستثمار سابقة بين مصر والولايات المتحدة منذ 1999م، أما الاتفاقية الثانية فهي اتفاقية منطقة تجارة حرة مباشرة بين الولايات المتحدة والبحرين التي ترتبط مع دول خليجية أخرى باتفاقات اتحاد جمركي واتفاقات اقتصادية أخرى غير مفعّلة.
والاتفاقية الأمريكية مع مصر ليست فريدة من نوعها أو جديدة كما يتصور البعض فقد كانت الأردن سبّاقة لتوقيع اتفاقية مماثلة لها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن اتفاقات وادي عربة سنة 1996م، كما أن بعض دول المغرب العربي ترتبط باتفاقات ثنائية مشابهة إلى حد ما مع عدد من الدول الأوربية، وتقوم الاتفاقيات الأمريكية التي عرفت بمسمى المناطق الصناعية المؤهّلة َQualified Industrial Zones واختصارها كز Qiz'sعلى فكرة إنشاء مجمعات صناعية لأغراض التصدير في البلاد العربية على أن تشارك إسرائيل بنسبة ضئيلة من مدخلاتها لا تتجاوز 11 في المائة ولكنها تضمن لإسرائيل حداً أدنى من الإشراف والمراقبة لتضمن عدم تخطي تلك المناطق في إنتاجها الحدود المرسومة لها.
والجائزة المتوقعة للدولة المضيفة هي الإعفاء الجمركي لمنتجات تلك المناطق عند تصديرها لأمريكا وربما للدول العربية في مرحلة لاحقة، ومنذ أن وقّعت أول اتفاقية من هذا النوع مع الأردن والولايات المتحدة (تكزّ العرب كزّاً) لقبولها كأنموذج للإصلاح الاقتصادي المنشود في المنطقة العربية، ولقد تم الاتفاق على إنشاء سبع مناطق من هذا النوع في مصر أربعة منها في محافظة القاهرة الكبرى واثنتان في الإسكندرية أما السابعة ففي ميناء بور سعيد الذي شهد بواكير تجارب الانفتاح التجاري المصري على العالم الخارجي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

ولا يجدر بمن يقرأ عن مجمّعات أو مناطق الكز هذه أن يشطح بخياله بعيداً فيتصور أن أمريكا قد قررت أخيراً أن تنقل الصناعات المصرية نقلة نوعية تقربها من حلم تخطي مرحلة التصنيع الزراعي البدائي لتصبح ضمن قائمة الدول الصناعية الرئيسية في العالم ولو بعد حين لأن مجمعات الكزّ هذه لا تشمل الصناعات المصرية القائمة سواء منها الثقيلة أو الخفيفة ولن تشملها بل تقتصر على صناعات جديدة تقوم على مخرجات القطاع الزراعي أساساً مثل صناعة المنسوجات وحياكة الملابس ودبغ الجلود وتفصيل الأحذية حسب المواصفات الأمريكية/ الإسرائيلية بمعنى أنها تقوم على تجميع العمالة الرخيصة في مشاغل لا تختلف كثيراً عن مشاغل تشغيل (العبيد) التي كانت سائدة في جنوب الولايات المتحدة منذ قرن ونصف تقريباً ولا عن تلك المشاغل التي تديرها حالياً الشركات الإسرائيلية في الأرض المحتلّة استناداً على رخص اليد العاملة الفلسطينية تحت الإحتلال ولا تلك التي تديرها كبريات الشركات المتعددة الجنسية في مناطق الكثافة السكانية ذات الدخول المنخفضة حول العالم.
ولئن عبّرت الاتفاقية المصرية عن حالة التشرذم التي آلت إليها محاولات التكتل الإقتصادي على مستوى النظام العربي الجمعي المتهالك فإن الحالة البحرينية تعبّر عن بعد أعمق وأشد خطورة يظهر مدى تغلغل النفوذ الأمريكي في التأثير على محاولات التكتل الاقتصادي على مستوى النظم الاقتصادية المتفرعة عن النظام العربي.
وكلا الحالتين محصلة طبيعية لانهيار نظام القطبية الثنائية وتفرد الولايات المتحدة في القرار في هذه المنطقة من العالم حتى على المستوى القطري متخطية بذالك كافة المستويات الإقليمية والفرعية سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي، وما هذه الاتفاقية سوى نموذج لما بشر به الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان في كتابه (اللكزس وشجرة الزيتون) من ضرورة تكييف كل دولة من الدول التي ترغب اللحاق بقطار العولمة لأوضاعها لتتناسب مع قميص القولبة الحديدي Straight Iron Vest فالقالب جاهز وجامد وحديدي وبارد مثل قوالب الحديد التي كان اليابانيون يفصّلونها على مقاس معين لفتيات (الجيشا) حتى تبقى أقدامهن صغيرة ورقيقة مدى العمر، وبالتالي على السمين من الدول أن (ينحّف) نفسه وعلى النحيف أن ينفخ نفسه حتى يتمكّن من ارتداء القميص لأن مقاس القميص غير قابل للتغيير وعلى من يرغب في ارتدائه أن يتحكم في نفسه ولا سبيل آخر أمامه غير هذا.
ورغم أن كافة دول العالم في غير منطقتنا العربية رفضت لبس ذلك القميص ورمت به في وجوه الأمريكيين مستندة على تكتلات إقليمية قوية ذات روابط بينية رائجة إلا أن النموذج يحقق نجاحاً واضحاً في منطقتنا العربية من خلال قميص مفصل خصيصاً لنا وأهم مواصفاته أن نرمي عرض الحائط بكافة اتفاقاتنا الثنائية والإقليمية ومحاولاتنا للنجاة على مستوى قومي أو ديني أو خلافه،إضافة إلى ضرورة أن نتعامل فرادى مع الدولة العظمى، وثالثة الأثافي أن طريقنا للأسواق الأمريكية أو العالمية لا بد أن يمرّ بإسرائيل.
ما هو الحل؟ لا أملك في هذا المقام غير ترديد مقولة أحد أجدادنا من العرب القدماء لامرأة خطبها في الصيف فرفضته لتعود وترسل له أحد أبنائها ذات شتاء مستجدية قليلاً من اللبن بعد أن تزوّجت ممن ضيّعها وضيّع عيالها فما كان منه إلا أن حمّل الصبي رسالة لإمه يقول فيها (الصيف ضيعتي اللبن)، واليوم نقول لقد فات الأوان ولا نرى في الأفق مخرجاً، فقد منح التاريخ العرب وقتاً زاد على نصف قرن لتشكيل تكتل سياسي واقتصادي واجتماعي خاص بهم ولكنكم ضيّعوه في مهاترات ومزايدات وجعجعات صوتية لا طائل من ورائها، واليوم يتعالى صراخهم بسبب ضيق القميص الذي فصّل لهم و (لات ساعة مندم)، ولذلك نرى أن رفض لبس القميص الأمريكي من أي بلد عربي مرفوض في حد ذاته لأن أكبر دولة عربية تمكنت من ارتدائه بفرح وحبور ولم تشكو منه ضيقاً أو قسوة فكيف ترفضه الدول الأخرى الأصغر حجماً، والحقيقة أننا في ظل الأوضاع التي تمر بها أمتنا لا نملك حق الاختيار ولا حتى القدرة على المساومة وعلينا بالتالي أن نحاول لبس القمصان التي تقدّم لنا أو نكفّ أذانا، على أقل تقدير، عن غيرنا ممن يلبسونها مختارين فالجميع سيلبس في النهاية إن طوعاً أو كرهاً ولكن من يلبس طوعاً يوفر على نفسه الآثار العنيفة المترتبة على انفجار المشاعر الحادة ..